ابن الجوزي

313

صيد الخاطر

ولقد أخبرنا ابن الحصين قال أخبرنا ابن المذهب قال أخبرنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد اللّه بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا حسن بن موسى قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج ( عمله ) إلى الناس كائنا ما كان . فليتق اللّه العبد ، وليقصد من ينفعه قصده ، ولا يتشاغل بمدح من عن قليل بلي هو وهم . 269 - مخالطة العلماء للسلاطين وأضرارها قدم علينا بعض الفقهاء من بلاد الاعجام ، وكان قاضيا ببلده فرأيت على دابته الذهب ومعه أتوار « 1 » الفضة وأشياء كثيرة من المحرمات . فقلت : أي شيء أفاد هذا العلم « 2 » . بل واللّه قد كثرت عليه الحجج ، وأكبر الأسباب قلة علم هؤلاء بسيرة السلف وما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . لا أنهم يجهلون الجملة ، ولكنهم يتشاغلون بعلم الخلاف ، ويقصدون التقدم ، ولا يقصدون سماع حديث ولا نظرا في سير السلف ، ويخالطون السلاطين فيحتاجون إلى التزيّي بزيهم ، فربما خطر لهم أن هذا قريب ، وان لم يخطر لهم فالهوى غالب بلا صادّ ، وربما خطر لهم : ان هذا يحتمل ويغفر في جانب تشاغلنا بالعلم . ثم يرون العلماء يكرمونهم لنيل شيء من دنياهم ، ولا ينكرون عليهم . ولقد رأيت من الذين ينتسبون إلى العلم من يستصحب المردان ، ويشتري المماليك ، وما كان من يفعل هذا إلا من قد يئس من الآخرة . ورأيت من قد بلغ الثمانين من العلماء ، وهو على هذه الحالة . فاللّه اللّه يا من يريد حفظ دينه ويوقن بالآخرة ، إياك والتأويلات الفاسدة ، والأهواء الغالبة ، فإنك ان ترخصت بالدخول في بعضها جرّك الامر إلى الباقي ، ولم تقدر على الخروج لموضع إلف الهوى ، فاقبل نصحي ، واقنع بالكسرة ، وابعد عن أرباب الدنيا ، فإذا ضجّ الهوى فدعه لهذا ، وربما قال لك : « فالأمر الفلاني

--> ( 1 ) جمع تور وهو اناء الشرب . ( 2 ) « العلم » فاعل « وهذا » مفعول به .